أبي منصور الماتريدي

79

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو [ إن أنزل آية ] « 1 » على أثر سؤال ، فلم يقبلوها ، ولم يؤمنوا بها ؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين ، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة . وقوله - عزّ وجل - : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ : يشبه أن يكون هذا صلة قوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [ 37 ] ؛ لأنه ذكر « دابة » ، والدابة : كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح ، وذكر الطائر ، وهو : اسم كل ما يطير في الهواء . لما كان قادرا على خلق هذه الجواهر المختلفة ، وسوق رزق كل منهم إليهم ، [ فهو قادر ] على أن ينزل آية ؛ [ ولو أنزل آية ] لاضطروا جميعا إلى القبول لها والإقرار بها ، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها ، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها ، وعلى هذا يخرج [ مخرج ] « 2 » قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ 37 ] . [ و ] من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات ؛ حيث قال : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ، ثم قال : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] . ثم اختلف في قوله تعالى : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال في قوله - تعالى - : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ : أي : إلا سيحشرون يوم القيامة [ كما تحشرون ] « 3 » ، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض ، ثم يقال لها : كوني ترابا ، فعند ذلك يقول الكافر : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ؛ كالبهائم « 4 » . وعن ابن عباس قال « 5 » : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ؛ أي : يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض ، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى . ويحتمل : إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في الكثرة ، والعدد ، والخلق ، والصنوف تعرف بالأسامي

--> - وزعم الكوفيون أن ( أن ) هذه هي المخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل ، والصواب قول البصريين : إنها أن الناصبة أهملت حملا على ( ما ) أختها المصدرية . انظر مغني اللبيب ( 1 / 38 ) . ( 1 ) في ب : إذا أنزل عليه آية . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 187 ) ( 13225 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 20 - 21 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه . ( 5 ) قال الرازي في تفسيره ( 12 / 176 ) : المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمما وجماعات وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض كالإنس .